ابن عساكر
118
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
قال عون بن محمد الكندي « 1 » : عهدي بالكرخ ببغداد وإن رجلا لو قال : ابن أبي دؤاد مسلم قتل في مكانه ، ثم وقع الحريق في الكرخ وهو الذي ما كان مثله قط ، فكلم ابن أبي دؤاد المعتصم في الناس وقال : يا أمير المؤمنين ، رعيتك في بلد آبائك ودار ملكهم نزل بهم هذا الأمر فاعطف عليهم بشيء يفرّق فيهم يمسك أرماقهم ، ويبنون به ما انهدم عليهم ، ويصلحون به أحوالهم ، فلم يزل ينازله حتى أطلق له خمسة آلاف ألف درهم ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن فرّقها عليهم غيري خفت ألا تقسم بالسويّة ، فائذن لي في تولّي أمرها ليكون الأجر أكبر والثناء أوفر « 2 » . قال : ذلك إليك ، فقسمها على مقادير الناس ، وما ذهب منهم نهاية ما يقدر عليه من الاحتياط ، واحتاج إلى زيادة فازدادها من المعتصم . وغرم من ماله في ذلك غرما كبيرا ، فكانت هذه من فضائله التي لم يكن لأحد مثلها . قال عون : فلعهدي بالكرخ بعد ذلك وإن إنسانا لو قال : زرّ ابن أبي دؤاد وسخ لقتل . حدث علي بن الحسين الإسكافي قال « 3 » : اعتل أحمد بن أبي دؤاد فعاده المعتصم فقام فتلقاه وقال له : قد شفاني اللّه بالنظر إلى أمير المؤمنين ، فدعا له بالعافية وقال له : إنّي نذرت إن عافاك اللّه أن أتصدّق بعشرة آلاف دينار فقال له : يا أمير المؤمنين ، اجعلها لأهل الحرمين ، فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتا « 4 » ، فقال : نويت أن أتصدّق بها هاهنا ، وأنا أطلق لأهل الحرمين مثلها ، ثم نهض فقال له : أمتع اللّه الإسلام وأهله ببقائك يا أمير المؤمنين ، فإنك كما قال النّمريّ لأبيك الرشيد : إنّ المكارم والمعروف أودية * أحلّك اللّه منها حيث تجتمع من لم يكن بأمين اللّه معتصما * فليس بالصّلوات الخمس ينتفع فقيل للمعتصم في ذلك ، لأنه عاده وليس يعود إخوته وأخلاء « 5 » أهله ، فقال المعتصم :
--> ( 1 ) الخبر رواه الخطيب في تاريخ بغداد 4 / 149 من طريق الصيمري ، وتاريخ الإسلام ( 231 - 240 ) ص 42 . ( 2 ) في تاريخ بغداد : الأجر أوفر والثناء أكثر . ( 3 ) رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد 4 / 149 - 150 . ( 4 ) في تاريخ بغداد : عنفا . ( 5 ) في تاريخ بغداد : وأجلّاء .